[16] بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
- هذا من البراهين الدَّالَّة على أنَّه لا يستحقُّ أحدٌ أن يكون شريكًا مع الله؛ لأنَّ الملائكة هم أقرب الخلق إلى الله، عدا خواصِّ بني آدم، ومع ذلك فإنَّه يحصل لهم الفزع عند سماع كلام الله تعالى.
ماذا يتضمَّن الإيمان بالملائكة؟
- يتضمَّن الإيمان بأنَّهم عالمٌ غيبيٌّ، خلقهم الله تعالى من نورٍ، يطيعون الله ولا يعصونه، لهم أرواحٌ وعقولٌ وأجساد وقلوبٌ، نؤمن بهم وبما أخبرنا الله من أعمالهم وصفاتهم وأسمائهم والأخبار الَّتي جاءت عنهم.
- · ﴿ فُزِّعَ﴾: أُزيل الخوف المفاجئ عن قلوبهم، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾: أهل السُّنَّة يثبتون لله: [1] علوَّ الذَّات، [2] علوَّ الصَّفات، [3] علوَّ القهر على جميع المخلوقات.
فوائد الآية:
- أنَّ الملائكة يخافون الله، قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ ﴾.
- إثبات القلوب للملائكة، قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾.
- إثبات أنَّهم أجسامٌ وليسوا أرواحًا مُجرَّدةً عن الجسميَّة، قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ ﴾.
- أنَّ لهم عقولًا، إذ القلوب مَحلُّ العقول .
- إثبات القول لله تعالى وأنَّه مُتعلِّقٌ بالمشيئة.
- إثبات أنَّ قول الله حقٌّ، والحقُّ في الكلام هو: [1] الصِّدق في الأخبار، [2] والعدل في الأحكام، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ﴾.
أدلَّة العلوِّ في الذَّات إجمالًا خمسةٌ:
| الكتاب | السُّنَّة | الإجماع | العقل | الفطرة |
الدَّليل الثَّاني:
فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضَـى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْـمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَـُضَـْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ؛ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟، قَالُوا: الْـحَقَّ؛ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ - وَصَفَهُ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ، فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ- فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِـَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ».
- · «صَفْوَانٍ»: هو الحجر الأملس الصُّلب، والسِّلسلة عليه يكون لها صوتٌ عظيمٌ، والمراد تشبيه ما يحصل لهم من الفزع عندما يسمعون كلامه.
- · «يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ»: هذا الصَّوت يبلغ منهم كلَّ مبلغٍ.
من فوائد الحديث:
- إثبات القول لله تعالى، وإثبات عظمة الله، ولا يصدر عن الله تعالى إلَّا الحقُّ.
- إثبات الأجنحة والكلام والعقل للملائكة، وأنَّهم يخافون، ويخضعون لله.
- أنَّ الله يمكِّن هؤلاء الجنَّ من الوصول إلى السَّماء فتنةً للنَّاس.
- كثرة الجنِّ، وأجسامهم خفيفةٌ يطيرون طيرانًا.
- أنَّ الكُهَّان من أكذب النَّاس، ولهذا يضيفون إلى ما سمعوا كذباتٍ كثيرةً.
- أنَّ السَّاحر يصوِّر للمسحور غير الواقع، فيجب الحذر منه.
- مراحل استراق السَّمع من الجنِّ:
- قبل البعثة كان الاستراق بكثرةٍ.
- عندما بُعث النَّبيُّ ﷺ مُنعوا من استراق السَّمع.
- بعد موته ﷺ عادوا يسترقون السَّمع لكن بقلَّةٍ.
الدَّليل الثَّالث:
وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَـِمْعَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ، تَكَلَّمَ بِالْوَحْي أَخَذَتِ السَّمٰوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ - أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ - شَدِيدَةٌ، خَوْفًا مِنَ اللهِ جل جلاله، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمٰوَات صَعِقُوا وَخَرُّوا للهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِـَبْرَائِيلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِـبْرِائِيلُ عَلَى الْـمَلَائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِـَـبْرِائِيلُ؟ فَيَقُولُ جِـَـبْرِائِيلُ: قَالَ الْـحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِـَـبْرِائِيلُ، فَيَنْتَهِي جَبْرِائِيلُ بِالْوَحْي إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ سبحانه و تعالى».
فوائد من الحديث:
- إثبات الإرادة لله، وهي قسمان:
- إرادةٌ شرعيَّةٌ.
- إرادةٌ كونيَّةٌ.
- أنَّ المخلوقات وإن كانت جمادًا تحسُّ بعظمة الخالق.
- إثبات تعدُّد السَّموات، وأنَّ لكلِّ سماءٍ ملائكةً مُخصَّصين.
- فضيلة جبريل حيث أنَّه المعروف بأمانة الوحي، وأنَّه الأمين.
- إثبات العزَّة والجلال لله.
«عز و جل»:
«عزَّ»: العزَّة بمعنى الغلبة والقوَّة، وللعزيز ثلاثة معانٍ:
| عزيزٌ ممتنعٌ أن يناله أحدٌ بسوءٌ. | عزيزٌ ذو قدر لا يشاركه فيه أحدٌ. | عزيزٌ غالبٌ وقاهرٌ. |
«جلَّ»: الجلال بمعنى العظمة الَّتي ليس فوقها عظمةٌ.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ الآيَةِ ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ ﴾
الثَّانِيَةُ: مَا فِيهَا مِنَ الحُجَّةِ عَلَى إِبْطَالِ الشِّرْكِ، خُصُوصًا مَا تَعَلَّقَ عَلَى الصَّالِحِينَ، وَهِيَ الآيَةُ الَّتِي قِيلَ إِنَّهَا تَقْطَعُ عُرُوقَ شَجَرَةِ الشِّرْكِ مِنَ القَلْبِ.
الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾.
الرَّابِعَةُ: سَبَبُ سُؤَالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ (شدَّة خوفهم).
الْخَامِسَةُ: أَنَّ جِبْرِيلَ يُجِيبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (قَالَ كَذَا وَكَذَا).
السَّادِسَةُ: ذِكْرُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ (ففيه فضيلته).
السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَقُولُ لِأَهْلِ السَّمَوَاتِ كُلِّهِمْ لِأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ (دليلٌ على عظمته بينهم).
الثَّامِنَةُ: أَنَّ الغَشْيَ يَعُمُّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ كُلَّهُمْ.
التَّاسِعَةُ: اِرْتِجَافُ السَّمَوَاتِ لِكَلَامِ اللَّهِ (تعظيمًا لله).
الْعَاشِرَةُ: أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي يَنْتَهِي بِالْوَحْيِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ (لأنَّه الأمين).
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ذِكْرُ اسْتِرَاقِ الشَّيَاطِينِ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: صِفَةُ رُكُوبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إِرْسَالُ الشِّهَابِ (الَّذي يحرق مُسترق السَّمع).
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ تَارَةً يُدْرِكُهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَتَارَةً يُلْقِيهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ مِنَ الإِنْسِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ.
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: كَوْنُ الكَاهِنِ يَصْدُقُ بَعْضَ الأَحْيَانِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: كَوْنُهُ يَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ (على سبيل المبالغة لا التَّحديد).
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ لَمْ يُصَدَّقْ كَذِبُهُ إِلَّا بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنْ السَّمَاءِ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: قَبُولُ النُّفُوسِ لِلْبَاطِلِ، كَيْفَ يَتَعَلَّقُونَ بِوَاحِدَةٍ وَلَا يُعْتَبَرُونَ بِمِائَةٍ؟!
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: كَوْنُهُمْ يَتَلَقَّى بَعْضُهُمُ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الكَلِمَةَ وَيَحْفَظُونَهَا وَيَسْتَدِلُّونَ بِهَا (لأنَّها هي الَّتي تُروِّج بضاعتهم، ولو كانت بضاعتهم كلُّها كذبًا لما راجت).
الْعِشْرُونَ: إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيَّةِ المُعَطِّلَةِ.
الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تِلْكَ الرَّجْفَةَ وَالْغَشْيَ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ سبحانه و تعالى.
الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُمْ يَخِرُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا (تعظيمًا لله واتِّقاءً لما يخشونه).