[60] بَابُ مَا جَاءَ فِي مُنْكِرِي القَدَرِ [من الكفر الأكبر]
- القدر: هو سرُّ الله في خلقه، ولا نعلمه إلَّا بعد وقوعه، ويتعلَّق بتوحيد الرُّبوبيَّة خصوصًا، وله تعلُّقٌ بتوحيد الأسماء والصِّفات، والنَّاس في القدر ثلاث طوائف:
- الطَّائفة الجبريَّة: أثبتوا القدر وغَلوا فيه، حتَّى سلبوا العبد اختياره وقدرته، وقالوا: ليس للإنسان اختيارٌ ولا قدرةٌ.
- الطَّائفة القدريَّة المُعتزلة: أثبتوا للعبد اختيارًا وقدرةً في عمله، وغَلوا في ذلك حتَّى نفوا أن يكون لله تعالى في عمل العبد مشيئةٌ أو خلقٌ.
- الطَّائفة الثَّالثة هي أهل السُّنَّة والجماعة: جمعوا بين الأدلَّة وسلكوا في طريقهم خير ملَّةٍ، فآمنوا بقضاء الله وقدره، وأثبتوا للعبد مشيئةً مُرتبطةً بمشيئة الله.
للإيمان بالقضاء والقدر فوائد عظيمةٌ منها:
- أنَّه من تمام توحيد الرُّبوبيَّة.
- أنَّه يوجب صدق الاعتماد على الله.
- أنَّه يوجب للقلب الطُّمأنينة، إذا علمت أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ اطمأننت بما يصيبك بعد فعل الأسباب النافعة.
- منع إعجاب المرء بعمله إذا عمل عملًا يُشكر عليه؛ لأنَّ الله هو الَّذي منَّ عليه.
- عدم حزنه على ما أصابه؛ لأنَّه من ربِّه ۵، فهو صادرٌ عن رحمةٍ وحِكمةٍ.
- أنَّ الإنسان يفعل الأسباب؛ لأنَّه يؤمن بحكمة الله، وأنَّه لا يُقدِّر الأشياء إلَّا مُرتبطةً بأسبابها.
الدَّليل الأوَّل:
وَقَالَ ابنُ عُمرَ: وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ لَأَحَدِهِم مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، ثُمَّ أنْفَقَهُ فِي سَبيلِ اللهِ؛ مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْهُ، حتَّى يُؤمِنَ بِالقَدَرِ، ثمَّ استَدلَّ بِقَوْلِ النَّبيِّ ﷺ: «الْإِيمَانُ: أنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الإيمان: (قولٌ باللِّسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح والأركان، يزيد بالطَّاعة وينقص بالمعصية)، وله ستَّة أركانٍ:
| بالله | وملائكته | وكتبه | ورسله | واليوم الآخر | وبالقدر خيره وشرِّه |
«أنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ»: الإيمان بالله يستلزم أربعة أمورٍ:
| الإيمان بوجوده، ويكون بـ: | توحيد الرُّبوبيَّة | توحيد الألوهيَّة | توحيد الأسماء والصِّفات |
الإيمان بوجوده، ويكون بـ:
| العقل: فلا يَتصوَّر وجود مخلوقٍ بلا خالِقٍ ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. | الحسّ: تكون في كرْبٍ وشدَّةٍ، ثم تدعو فتجدها تنفرج بدعاء الله، كما دعا ﷺ في أُحدٍ. | الفطرة: قال ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ...». | الشَّرع: ذكر ابنُ القيِّم $ أنَّه ما مِن آيةٍ في كتاب الله إلَّا وفيها دليلٌ على التَّوحيد. |
- · «وَمَلائِكَتِهِ»: هم عالمٌ غيبيٌّ، خلقهم الله من نورٍ، يُطيعونَ الله ولا يَعصونَه، لهم أرواحٌ ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾، وأجسادٌ ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ ﴾، وعقولٌ وقلوبٌ ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ ﴾، نؤمِنُ بهم، وبما أَعلَمَنا اللهُ من أسمائهم (كجبريل وميكائيل وإسرافيل)، وصفاتِهم ﴿ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، وأعمالِهم (مثل حملة العرش)، والأخبار الَّتي جاءت عنهم.
- · «وَكُتُبِهِ»: يجب أن نؤمِن بأنَّها كلامُ الله حقيقةً لا مجازًا، و أنَّها مُنزَّلةٌ لا مَخلوقةٌ، وأنَّ الله أنزل مع كلِّ رسولٍ كتابًا، نؤمِن بها وبما أخبرَنا الله من أسمائها وأخبارها
وأحكامها إجمالًا وتفصيلًا؛ ما لم تُنسَخ، ونؤمن أنَّ القرآن ناسخٌ لجميع ما قَبله من الكتب وهي: التَّوراة - الإنجيل - الزَّبور - صحف إبراهيم و موسى عليهم الصلاة و السلام.
- «وَرُسُلِهِ»: يجب أن نؤمِن بأنَّهم بشرٌ ليس لهم من خَصائص الرُّبوبيَّة شيءٌ، وأنَّهم عَبِيدٌ لا يُعبَدون، وأنَّ الله أرسلهم و أوحى إليهم، وأيّدهم بالآيات، وأنَّهم أدَّوا الأمانة ونَصحوا الأمَّة وبلَّغوا، وجاهدوا في الله حقَّ جهاده، نؤمن بهم، وبما أَعلَمَنا الله من أسمائهم وصفاتِهم وأخبارِهم، و أنَّ أوَّلَ الأنبياء آدم ۏ، وأوَّل الرُّسل نوحٌ ۏ، وخاتَم الأنبياء والرُّسل محمَّدٌ ﷺ، وأنَّ الشَّرائع السَّابقة كلَّها منسوخةٌ بشريعة محمَّدٍ ﷺ، وأُولُوا العزم خمسةٌ ذُكِروا في سورتَي الشُّورى والأحزاب: (محمَّدٌ، ونوحٌ، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ).
- · «وَاليَومِ الآخِرِ»: يَتضمَّنُ الإيمانَ بكلِّ ما أَخْبَر به النَّبيُّ ﷺ ممَّا يكون بعد المَوت، مثل: فتنة القبر، النَّفخ في الصُّور، وقيام النَّاس من قبورهم، والمَوازين، والصُّحف، والصِّراط، والحَوض، والشَّفاعة ، والجَنَّة ، والنَّار، ورؤية المؤمنِين لربِّهم يوم القيامة وفي الجنَّة، وغيرها مِن الأمور الغيبيَّة.
- · «وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ»: أعاد الفعل (تُؤمِنَ) لأنَّ الإيمان بالقدر مهمٌّ، وله مراتب أربعٌ:
(عِلْمٌ، كِتابَةُ مَولَانَا، مَشِيْئَتُه ⁕⁕⁕ وَخَلْقُهُ وَهُو إيْجَادٌ وَتَكْوِيْنُ)
| العلم: الإيمانُ بأنَّه گ عَلِمَ كلَّ شيءٍ جملةً وتفصيلًا، والدَّليل قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾. | الكتابة: الإيمانُ بأنَّ الله قد كَتَبَ مقادير كلِّ شيءٍ إلى أن تقومَ السَّاعةُ، والدَّليل: ﴿ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾. | المشيئة: الإيمانُ بأنَّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنَّ للعَبدِ مشيئةً داخلةً تحت مشيئة الله: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾. | الخلق: فما من شيءٍ إلَّا الله خالقه ومُدبِّره وذو سلطانه، حتَّى فعل المخلوق مخلوقٌ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. |
الدَّليل الثَّاني إلى الرَّابع:
[2] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ أَنَّه قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنيَّ؛ إنَّكَ لَنْ تجِدَ طَعْمَ الْإِيْمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أخْطأَكَ لَمْ يكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: رَبِّ! وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُوْمَ السَّاعَةُ»، يا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي»، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلَكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
[3] وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ وَهْبٍ: قَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ: «فَمَنْ لَمْ يُؤمِنْ بالقَدَرِ خَيرِهِ وشرِّهِ؛ أحْرَقَهُ اللهُ بالنَّارِ».
[4] وَفِي «الْـمُسْنَدِ» وَ«السُّنَنِ» عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ؛ قَالَ: أتَيْتُ أُبيَّ بنَ كعْبٍ، فَقُلْتُ: فِي نَفْسـِي شَيْءٌ مِنَ القَدَرِ، فَحَدِّثْنِي بِشَيءٍ لَعَلَّ اللهُ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبي، فَقَالَ: «لَوْ أنفَقْتَ مِثَلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ؛ حَتَّى تُؤمِنَ بِالقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَـأَكَ لَمْ يَكُـنْ لِيُصِيبَكَ، وَلوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَحُذَيفةَ بْنَ الْيَمَانِ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ؛ فَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَواهُ الحَاكِمُ فِي «صَحِيحِهِ».
- · «حَتَّى تَعْلَمَ»: وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾[الحديد].
- · «يَا بُنيَّ»: فيه ملاطفة الأبناء بالموعظة، وأنَّه ينبغي أن يُلقَّن الأبناءُ الأحكام بأدلَّتها: [1] لتُعوِّد ابنك على اتِّباع الأدلَّة، [2] ولتُربِّيه على مَحبَّة الرَّسول ﷺ.
- · «فِي نَفْسـِي شَيْءٌ»: ما وقع في نفس الدَّيلميِّ دليلٌ على خطر مُجالسة أهل البدع الَّذين شكَّكوا في القدر، والشُّبهة تُدفَع بالنَّقل فيُزيلُها، ولا تُدفع بالعقل فيَزيدُها.
- · «القَلَمُ»: فيها روايتان بالضَّمِّ والفتحِ:
- بالضَّمِّ: يكونُ المعنى أنَّ أوَّل ما خلق الله هو القلم بالنِّسبة لما نُشاهده فقط من المخلوقات؛ كالسَّموات والأرض، فهي أوَّليَّةٌ نسبيَّةٌ، قال ابن القيِّم رحمه الله:
| وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي الْقَلَمِ الَّذِي | كُتِبَ الْقَضَاءُ بِهِ مِنَ الدَّيَّانِ | |
| هَلْ كَانَ قَبْلَ الْعَرْشِ أَوْ هُوَ بَعْدَهُ | قَوْلَانِ عِنْدَ أَبِي الْعَلَا الْهَمَذَانِي | |
| وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَرْشَ قَبْلُ لِأَنَّهُ | قَبْلَ الْكِتَابَةِ كَانَ ذَا أَرْكَانِ |
- بالنَّصب: فيكون المعنى أنَّ الله أمر القلم أن يكتب عند أوَّل خلقه له.
المسائل:
الْأُولَى: بَيَانُ فَرْضِ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ.
الثَّانِيَةُ: بَيَانُ كَيْفَيَّةِ الْإِيمَانِ (بالقدر بأن نؤمن بمراتبه الأربع).
الثَّالِثَةُ: إِحْبَاطُ عَمَلِ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ (فهو كافرٌ كفرًا أكبر).
الرَّابِعَةُ: الْإِخْبَارُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَجِدُ طَعْمَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِهِ.
الْـخَامِسَةُ: ذِكْرُ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللهُ (لا شكَّ أنَّ خلق القلم بعد خلق العرش، والقلم أوَّل ما خُلق بالنِّسبة لما نُشاهد فهو قبل خلق السَّموات والأرض، فتكون أوَّليَّته نسبيَّةً).
السَّادِسَةُ: أَنَّهُ جَرَى بِالْـمَقَادِيرِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ (وفيه توجيه خطاب الله إلى الجماد، وأنَّه يعقل أمر الله؛ لأنَّ الله وجَّه الخطاب إلى القلم ففهم واستجاب).
السَّابِعَةُ: بَرَاءَتُهُ ﷺ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ (فهو كافرٌ كُفرًا مُخرجًا عن الملَّة).
الثَّامِنَةُ: عَادَةُ السَّلَفِ فِي إِزَالَةِ الشُّبْهَةِ بِسُؤَالِ الْعُلَمَاءِ (وجواز سؤال أكثر من عالم للتَّثبُّت لا لتتبُّع الرُّخص).
التَّاسِعَةُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجَابُوهُ بِمَا يُزِيلُ عَنْهُ الشُّبْهةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَسَبُوا الْكَلَامَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَطْ (وبهذا تزول الشُّبهة تمامًا عند المُؤمن، ولا مانع أن تأتي بالأدلَّة العقليَّة أو الحِسِّيَّة من أجل أن تُقنع الخصم وتُطَمْئِن المُوافق، وفيه دليلٌ رابعٌ وهو دليل الفطرة).