[6] بَابُ تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
لمَّا سبق الكلام على التَّوحيد، كأنَّ النَّفس اشْرأَبَّت إلى بيان ما هو هذا التَّوحيد الَّذي بُوِّب له هذه الأبواب (وجوبه، وفضله، وتحقيقه، والخوف من ضدِّه، والدَّعوة إليه)،
فيُجاب بهذا الباب، وهو تفسير التَّوحيد إلى نهاية الكتاب.
الدَّليل الأوَّل:
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾الآيَةَ.
· ﴿يَدْعُونَ﴾: هؤلاء الَّذين يدعون هم أنفسهم يبتغون إلى ربِّهم الوسيلة أيُّهم أقرب؛ فكيف تدعونهم وهم مُحتاجون مُفتقرون (شركٌ في الدُّعاء)
الدَّليل الثَّاني:
وَقَوْلِهِ: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآيَةَ.
- · ﴿إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾: جمع بين النَّفي والإثبات، ولم يقل (إلَّا الله) لفائدتين
- لبيان علَّة إفراد الله سبحانه و تعالى بالعبادة؛ لأنَّه كما أنَّه سبحانه مُنفردٌ بالخلق؛ فيجب أن يُفرد بالعبادة.
- لبيان بطلان عبادة الأصنام؛ لأنَّها لم تفطركم حتَّى تعبدوها.
- التَّوحيد لا يحصل بعبادة الله سبحتنه وتعالى مع غيره، بل لابدَّ من إخلاصه لله، وفي بعض البلدان الإسلاميَّة من يصلِّي ويزكِّي ويصوم ويحجُّ، ومع ذلك يسجدون للقبور.
الدَّليلان الثَّالث والرَّابع:
[3] وَقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
[4] وَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ ﴾ الآيَةَ.
- · ﴿أَحْبَارَهُمْ﴾:عُلماءَهم، ويُقال بحرٌ لكثرة علمه، «ﯚ»: عُبَّادَهم.
- · ﴿ رُهْبَانَهُمْ ﴾: أطاعوا العلماء في معصية الله، وعبدوا الرُّهبان (شرك الطَّاعة).
- · ﴿ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾: أي يحبُّون الأنداد محبَّةً مُساويةً لمحبَّة الله تعالى.
أقسام المحبَّة
| المحبَّة مع الله: (شركٌ أكبر) تنافي محبَّة الله كمحبَّة غير الله محبَّةً مساويةً أو أكثر. | المحبَّة لله أو في الله: (واجبةٌ) «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللهِ...». | المحبَّة الطَّبيعيَّة: (جائزةٌ) بشرط أن لا يقدِّمها على حبِّ الله؛ كحبِّ الولد والزَّوجة. |
وتنقسم المحبَّة في الله كذلك إلى محبَّة: عملٍ، وعاملٍ، وأزمنةٍ، وأمكنةٍ.
الدَّليل الخامس:
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ تبارك و تعالى».
وَشَرْحُ هٰذه التَّرْجَمَةِ: مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ.
· «وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ»: لابدَّ أن تكفر بعبادة من يُعبَد من دون الله، بل وتكفر أيضًا بكلِّ كفرٍ، فمن يقول الشَّهادة ويرى معها أنَّ النَّصارى واليهود اليوم على دينٍ صحيحٍ؛ فإنَّه ليس بمسلمٍ، وكذلك من يرى الأديان أفكارًا يختار منها ما يريد؛ فليس بمسلمٍ.
المسائل:
فِيهِ أَكْبَرُ الْمَسَائِلِ وَأَهَمُّهَا، وَهِيَ: تَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ، وَتَفْسِيرُ الشَّهَادَةِ؛ وَبَيَّنَهَا بِأُمُورٍ وَاضِحَةٍ (لابدَّ من النَّفي والإثبات).
مِنْهَا: آيَةُ الْإِسْرَاءِ، بَيَّنَ فِيهَا الرَّدَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الصَّالِحِينَ، فَفِيهَا بَيَانُ أَنَّ هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ (الشِّرك في الدُّعاء).
وَمِنْهَا: آيَةُ بَرَاءَةٍ، بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا إِلَّا بِأَنْ يَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا، مَعَ أَنَّ تَفْسِيرَهَا الَّذِي لَا إِشْكَالَ فِيهِ: طَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وْالْعُبَّادِ فِي الْمَعْصِيَةِ، لَا دُعَاؤُهُمْ إِيَّاهُمْ (شرك الطَّاعة).
وَمِنْهَا: قَوْلُ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْكُفَّارِ: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فَاسْتَثْنَى مِنَ الْمَعْبُودِينَ رَبَّهُ، وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذِهِ الْبَرَاءَةَ وَهَذِهِ الْمُوَالَاةَ هِيَ: تَفْسِيرُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَقَالَ: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
وَمِنْهَا: آيَةُ الْبَقَرَةِ فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْدَادَهُمْ كَحُبِّ اللهِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللهَ حُبًّا عَظِيمًا وَلَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَحَبَّ النِّدَّ أَكْبَرَ مِنْ حُبِّ اللهِ؟ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يُحِبَّ إِلَّا النِّدَّ وَحْدَهُ وَلَمْ يُحِبَّ اللهَ؟ (شرك المحبَّة، فالأقسام أربعةٌ:
[1] أن يحبَّ الله حبًّا أشدَّ من غيره؛ وهذا هو التَّوحيد.
[2] أن يحبَّ غير الله كمحبَّة الله، وهذا شركٌ.
[3] أن يحبَّ غير الله أشدَّ حبًّا من الله، وهذا أعظم ممَّا قبله.
[4] أن يحبَّ غير الله وليس في قلبه محبَّة الله تعالى، وهذا أعظم وأطمُّ).
وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ»، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ التَّلَفُّظَ بِهَا عَاصِمًا لِلدَّمِ وَالْمَالِ، بَلْ وَلَا مَعْرِفَةَ مَعْنَاهَا مَعَ لَفْظِهَا، بَلْ وَلَا الْإِقْرَارَ
بِذَلِكَ، بَلْ وَلَا كَوْنَهُ لَا يَدْعُو إِلَّا اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، بَلْ لَا يَحْرُمُ مَالُهُ وَدَمُهُ حَتَّى يُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ الْكُفْرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ فَإِنْ شَكَّ أَوْ تَوَقَّفَ لَمْ يَحْرُمْ مَالُهُ وَدَمُهُ.
فَيَالَهَا مِنْ مَسْأَلَةٍ مَا أَعْظَمَهَا وَأَجَلَّهَا! وَيَالَهُ مِنْ بَيَانٍ مَا أَوْضَحَهُ! وَحُجَّةٍ مَا أَقْطَعَهَا لِلْمُنَازِعِ!