[48] بَابُ مَنْ هَزَلَ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ أَوِ القُرْآنِ أَوِ الرَّسُولِ
من سخر واستهزأ بالله أو بآياته الكونيَّة أو الشَّرعيَّة أو برسله كفر كفرًا أكبر؛ لأنَّ مُنافاةَ الاستهزاء للإيمان مُنافاةٌ عظيمةٌ، والكفر كفران:
| كفر معارضةٍ: وهو أعظم وأشدُّ، ككفر أبي جهلٍ وأبي لهبٍ. | كفر إعراضٍ: لا يدخل في دين الله، ولا يتعرَّض له بالإرصاد والمحاربة. |
- والمستهزئ كافرٌ كفر معارضةٍ؛ فهو أعظم ممَّن يسجد لصنمٍ فقط، وهذه المسألة خطيرةٌ جدًا، فرُبَّ كلمةٍ أوقعت بصاحبها البلاء، بل والهلاك وهو لا يشعر، فقد يتكلِّم الإنسان بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النَّار.
فمن استهزأ بالصَّلاة -ولو نافلةً-، أو بالزَّكاة، أو الصَّوم، أو الحجِّ؛ فهو كافرٌ بإجماع المسلمين، كذلك من استهزأ بالآيات الكونيَّة بأن قال مثلًا: إنَّ وجود الحرِّ في أيَّام الشِّتاء سَفَهٌ، أو قال: إنَّ وجود البرد في أيَّام الصَّيف سَفَهٌ؛ فهذا كفرٌ مُخرِجٌ من الملَّة؛ لأنَّ الرَّبَّ تعالى كلُّ أفعاله مبنيَّةٌ على الحكمة، وقد لا نستطيع بلوغها، بل لا نستطيع بلوغها.
- العلماء اختلفوا فيمن سَبَّ الله أو رسوله أو كتابه هل تُقبل توبته على قولين:
| لا تُقبَل، ويقتله السُّلطان: ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدعى له بالرَّحمة، ويُدفَن في محلٍّ بعيدٍ عن قبور المسلمين، ولو قال إنَّه تاب؛ لأنَّ هذه ردَّةٌ أمرها عظيمٌ وكبيرٌ لا تنفع فيها التَّوبة. | تُقبل بشروطٍ: 1- أن نعلم صدق توبته. 2- أن يُثني على الله. 3- وأن يتبرَّأ ممَّا قال. لكنْ سابُّ النَّبيِّ ﷺ تُقبل توبته ويجب على السُّلطان قتله لحقِّه ﷺ، فإذا قتل غسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين. |
الدَّليلان الأوَّل والثَّاني:
[1] وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ ﴾ الآيَةَ
[2] عن ابنِ عُمَرَ، ومحمَّدِ بنِ كَعْبٍ، وزيدِ بنِ أسلمَ، وقَتادةَ - دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِم في بَعْضِ-؛ أنَّهُ قالَ رجُلٌ في غَزْوَةِ تَبوك: مَا رَأَيْنا مِثْلَ قُرَّائِنا هَؤلاءِ أرغَبَ بُطونًا، ولا أَكْذَبَ ألَسُنًا، ولا أجْبَنَ عندَ اللِّقاءِ - يَعني الرَّسُولَ ﷺ وأَصْحَابَهُ القُرَّاءَ -، فقالَ له عَوْفُ بنُ مالكٍ: كَذَبْتَ؛ ولَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَهبَ عوْفٌ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ، فَوجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ، فَجَاءَ ذَلَكَ الرَّجُلُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ ارْتَحَلَ، وَرَكِبَ ناقَتَهُ، فقالَ: يا رَسُولَ اللهِ! إنَّما كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ ونَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ، نَقْطَعُ بِهِ عَنَّا الطَّرِيقِ، قَالَ ابْنُ عُمَر: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ متعلِّقًا بِنِسْعَةِ ناقَةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، وإِنَّ الحِجَارةَ تَنْكُبُ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فيقولُ لَهُ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾، مَا يَلْتَفِتُ إِليهِ، ومَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ.
- · «قُرَّائِنا»: المُراد بهم النَّبيُّ ﷺ وأصحابه، وكذب والله.
- · «ولَكِنَّكَ مُنَافِقٌ»: بهذا يُعرف أنَّ من يسبُّ الصَّحابة كافرٌ؛ لأنَّ الطَّعن فيهم طعنٌ في الله وفي دين الله وفي رسول الله ﷺ.
- · «بِنِسْعَةِ»: الحزام الَّذي يُربط به الرَّحل.
- · «تَنْكُبُ رِجْلَيْهِ»: تضرب رجليه.
من فوائد الحديث:
1- بيان علم الله بما سيكون، فالله عالمٌ ما كان وما سيكون.
2- النَّبيُّ ﷺ يحكم بما أنزل الله إليه.
3- الاستهزاء بالله وآياته ورسوله من أعظم الكفر.
4- أنَّ المستهزىء بالله يكفر.
5- استعمال الغلظة في مَحلِّها.
6- قبول توبة المُستهزىء بشروطها.
تنبيهاتٌ:
- الَّذي يحضر السَّبَّ مثل الَّذي يسُبُّ، إلَّا إذا أنكر أو انصرف، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ ﴾.
- إيَّاك وذكر القرآن أو الحديث ليضحك النَّاس، وكن خائفًا عند ذكرهما.
- إذا كان الكلام مُحتملًا للسَّبِّ ننبِّه قائله فإن تاب وإلَّا فهو مُستهزئٌ.
- الحذر من العجب والغرور؛ لأنَّ الحسنة قد تدخل الجنَّة والسَّيِّئة قد تدخل النَّار، فهذا الرَّجل خرج مع النَّبيِّ ﷺ إلى تبوك ثمَّ حصل منه ما حصل.
المسائل:
الْأُولَى: - وَهِيَ الْعَظِيمَةُ - أَنَّ مَنْ هَزَلَ بِهَذَا فَهُوَ كَافِرٌ (أي بالله وآياته ورسوله).
الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذَا تَفْسِيرُ الْآيَةِ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَائِنًا مَنْ كَانَ (مُنافقًا أو غير مُنافقٍ).
الثَّالِثَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ النَّمِيمَةِ وَالنَّصِيحَةِ للهِ وَرَسُولِهِ (ويُقصد بها احترام شعائر الله).
الرَّابِعَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَفْوِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ (الَّذي فيه إصلاحٌ)، وَبَيْنَ الْغِلْظَةِ عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ (لكنَّ استعمال اللِّين أحيانًا للدَّعوة والتَّأليف قد يكون مُستَحسنًا).
الخَامِسَةُ: أَنَّ مِنَ الِاعْتِذَارِ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ (إن علم أنَّ الاعتذار باطلٌ).