[14] بَابٌ مِنَ الشِّرْكِ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِغَيْرِ اللهِ أَوْ يَدْعُوَ غَيْرَهُ
الدَّليل الأوَّل إلى الخامس:
[1] وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ ﴾الآيَةَ.
[2] وَقَوْلِهِ: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ ﴾ الآيَةَ.
[3] وَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآيَتَيْنِ.
[4] وَقَوْلِـهِ: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الآيَةَ.
[5] وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ؛ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي الْـمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هٰذا الْـمُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللهِ سبحانه و تعالى».
- · ﴿ وَلَا تَدْعُ﴾: دعاء عبادةٍ ومسألةٍ فيما لا يقدر عليه إلَّا الله.
- · ﴿عِندَ اللَّهِ﴾: تقديم ما حقُّه التَّأخير للحصر؛ أي فابتغوا الرِّزق حال كونه عند الله لا عند غيره، فهم يعبدون هذه الأوثان وهي لا تملك لهم رزقًا أبدًا.
- · ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾: إشارةٌ إلى أنَّ تحقيق العبادة من طلب الرِّزق وأسبابه.
- · ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ ﴾: لأنَّ النِّعمة ابتلاءٌ وتحتاج شكرًا بالقلب واللِّسان والجوارح.
- · ﴿يُجِيبُ﴾: لا يطلب من أحدٍ أن يُزيل ضرَّه ويكشف سوءه وهو لا يستطيع.
- · ﴿مُنَافِقٌ﴾: المنافق هو الَّذي يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر، والإيذاء من عادته.
أقسام الرِّزق:
| عامٌّ: لكلِّ مخلوقٍ، وهو إمَّا حلالٌ أو حرامٌ. | خاصٌّ بالمؤمنين: وهو الإيمان، والتَّقوى، والعمل الصَّالح. |
المسائل:
الْأُولَى: أَنَّ عَطْفَ الدُّعَاءِ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ ﴾.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ أَصْلَحَ النَّاسِ لَوْ فَعَلَهُ إِرْضَاءً لِغَيْرِهِ، صَارَ مِنْ الظَّالِمِينَ (النَّهي مُوجَّهٌ إلى من لا يمكن صدوره منه باعتبار حاله؛ فهو إلى من يمكن منه من باب أولى).
الْخَامِسَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ ﴾ فإذا كان لا يكشف الضر إلا الله؛ وجب أن تكون العبادة له والاستغاثة.
السَّادِسَةُ: كَوْنُ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا مَعَ كَوْنِهِ كُفْرًا (فخسر الدُّنيا والآخرة).
السَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الثَّالِثَةِ ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ ﴾.
الثَّامِنَةُ: أَنَّ طَلَبَ الرِّزْقِ لَا يَنْبَغِي إِلَّا مِنْ اللَّهِ، كَمَا أَنَّ الجَنَّةَ لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْهُ.
التَّاسِعَةُ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الرَّابِعَةِ ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
الْعَاشِرَةُ: أَنَّهُ لَا أَضَلُّ مِمَّنْ دَعَا غَيْرَ اللَّهِ (لأنَّ الاستفهام هنا بمعنى النَّفي).
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ دُعَاءِ الدَّاعِي لَا يَدْرِي عَنْهُ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ سَبَبٌ لِبُغْضِ المَدْعُوِّ لِلدَّاعِي وَعَدَاوَتِهِ لَهُ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: تَسْمِيَةُ تِلْكَ الدَّعْوَةِ عِبَادَةً لِلْمَدْعُوِّ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كُفْرُ المَدْعُوِّ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ (ردُّه وإنكاره).
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: هِيَ سَبَبُ كَوْنِهِ أَضَلَّ النَّاسِ ([1] لأنَّه يدعو دون الله من لا يستجيب.
[2] أنَّ المَدعُوِّين غافلون عن دعائهم. [3] أنَّه كافرٌ بعبادتهم.).
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: تَفْسِيرُ الآيَةِ الخَامِسَةِ ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الأَمْرُ العَجِيبُ، وَهُوَ إِقْرَارُ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ أَنَّهُ لَا يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِلَّا اللَّهُ، وَلِأَجْلِ هَذَا يَدَعُونَهُ فِي الشَّدَائِدِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: حِمَايَةُ المُصْطَفَى ﷺ حِمَى التَّوْحِيدِ وَالتَّأَدُّبُ مَعَ اللَّهِ (فهو يعلِّم الأمَّة أن تلجأ إلى الله وحده في الشَّدائد، ولا تستغيث إلَّا به وحده).