[59] بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ ﴾ الآيَةَ
- · ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾: (المُنافقون) ظنَّ الملَّة الجاهليَّة الَّتي لا يعرف الظَّانُّ فيها قدر الله وعظمته، فهو ظنٌّ باطلٌ مَبنيٌّ على الجهل، والظَّنُّ بالله على نوعين:
- أن يظنَّ بالله خيرًا، وله مُتعلَّقان:
- مُتعلَّقٌ بما يفعله في هذا الكون؛ فهذا يجب عليك أن تحسن الظَّنَّ بالله فيه.
- مُتعلَّقٌ بالنِّسبة لما يفعله بك؛ فيجب أن تظنَّ بالله أحسن الظَّنِّ، بشرط أن يوجد لديك ما يوجب الظَّنَّ الحسن، وهو الإخلاص والمتابعة.
- أن يظنَّ بالله سوءًا: مثل أن يظنَّ في فعله سفهًا أو ظلمًا أو نحو ذلك، فإنَّه من أعظم المُحرَّمات وأقبح الذُّنوب، كما ظنَّ المُنافقون وغيرهم غير الحقِّ.
الدَّليل الثَّاني:
وَقَوْلُهُ: ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ ﴾ الآيَةَ.
المُراد بهم المنافقون والمُشركون فالسُّوء مُحيطٌ بهم جميعًا من كلِّ جانبٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الآيَةِ الْأُولَى: «فُسِّرَ هَذَا الظَّنُّ بَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَنْصُـرُ رَسُولَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ سَيَضْمَحِلُّ، وَفُسِّـرَ بِأَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ بِقَدَرِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ. فَفُسِّـرَ بِإِنْكَارِ الْحِكْمَةِ وَإِنْكَارِ الْقَدَرِ، وَإِنْكَارِ أَنْ يُتِمَّ أَمْرَ رَسُولِهِ، وَأَنْ يُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَهَذَا هُوَ ظَنُّ السَّوْءِ، الَّذِي ظَنَّ الْـمُنَافِقُونَ وَالْـمُشْرِكُونَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا ظَنَّ السَّوْءِ؛ لِأَنَّهُ ظَنُّ غَيْرِ مَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ وَوَعْدِهِ الصَّادِقِ. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدِيلُ الْبَاطِلَ عَلَى الْـحَقِّ إِدَالَةً مُسْتَقِرَّةً يَضْمَحِلُّ مَعَهَا الْـحَقُّ، أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَا جَرَى: بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَدَّرَهُ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الْـحَمْدَ، بَلْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِمَشِيئَةٍ مُجَرَّدَةٍ، فَذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا،
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ. وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَظُنُّونَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِمْ، وَفِيمَا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ، وَلَا يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ عَرَفَ اللهَ وَأَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ، وَمُوجِبَ حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ. فَلْيَعْتَنِ اللَّبِيبُ النَّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ، وَيَسْتَغْفِرْهُ مِنْ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وَلَوْ فَتَّشْتَ مَنْ فَتَّشْتَ؛ لَرَأَيْتَ عِنْدَهُ تَعَنُّتًا عَلَى الْقَدَرِ وَمَلَامَةً لَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا، فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ، وَفَتِّشْ نَفْسَكَ هَلْ أَنْتَ سَالِـمٌ؟ (فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخـَالُـكَ نَاجِيًا)».
- هذا الكلام ذكره ابن القيِّم رحمه الله في «زاد المعاد» عقيب غزوة أُحدٍ تحت بحث الحِكم والغايات المحمودة الَّتي كانت فيها، وخلاصة ما ذكره في ظنِّ السُّوء:
- أن يظنَّ أنَّ الله يُديل الباطل على الحقِّ إدالةً مُستقرَّةً يضمحلُّ معها الحقُّ.
- أن يُنكر كون ما جرى بقضاء الله وقدره؛ وكيف يكون في ملكه ما لا يريد.
- أن يُنكر أن يكون قدره لحكمةٍ بالغةٍ يستحقُّ عليه الحمد.
- وخلاصة ما ذكره للعلاج من ظنِّ السُّوء:
- معرفة الأسماء والصِّفات معرفة حقٍّ لا معرفة تحريفٍ وتأويلٍ.
- اهتمام العاقل بهذا حتَّى يظنَّ بالله ظنَّ الحقِّ، لا ظنَّ السُّوء وظنَّ الجاهليَّة.
- الرُّجوع إلى الله بالتَّوبة من المعصية إلى الطَّاعة والاستغفار.
- أن تظنَّ بنفسك السُّوء، فالإنسان محلُّ النَّقص والسُّوء.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ آلِ عِمْرَانَ (﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ والضَّمير للمنافقين)
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْفَتْحِ (﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ ﴾والضَّمير للمنافقين).
الثَّالِثَةُ: الْإِخْبَارُ بِأَنَّ ذَلِكَ أَنْوَاعٌ لَا تُحْصَرُ (وضابطه أن يظنَّ بالله ما لا يليق به).
الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَا يَسْلَم مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ عَرَفَ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ وَعَرَفَ نَفْسَهُ (ففتَّش عنها، والحقيقة أنَّ الإنسان هو محلُّ النَّقص والسُّوء، وأمَّا الرَّبُّ تبارك و تعالى فهو محلُّ الكمال المُطلَق الَّذي لا يعتريه نقصٌ بوجهٍ من الوجوه).