[26] بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكُهَّانِ وَنَحْوِهِمْ
هذا من أحسن ما يكون في التَّرتيب، بعد أن بيَّن لك السِّحر وشيئًا من أنواعه ها هو يبيِّن لك مَن الكاهن والرَّمَّال والمنجِّم، وحكم إتيانهم، وكيفية الإتيان.
الدَّليل الأوَّل إلى الرَّابع:
[1] رَوَى مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَصَدَّقَهُ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا»
[2] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﭬ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[3] وَلِلأَرْبَعَةِ وَالْـحَاكِمِ - وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا - عَنْ ... : «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ».
[4] وَلِأَبِي يَعْلَى بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا.
- · «مَنْ أَتَى»: الإتيان يكون بمجالسته، أو الاتِّصال، أو إرسال شخصٍ إليه، أو رسالةٍ، أو مشاهدة قنواتهم، أو الدُّخول على مواقعهم، أو شراء مجلَّاتهم وبخاصَّةٍ الَّتي فيها الأبراج، أو السَّماع لما يقولون، وهذا فيه مفسدةٌ عظيمةٌ.
- · «لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ»: الثَّواب الحاصل بها قوبل بالسَّيِّئة فأسقطته (إتيانٌ بلا تصديقٍ).
- · «فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ»: أي القرآن وفيه: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ ﴾، فالَّذي يُصدِّق الكاهن في علم الغيب وهو يعلم أنَّه لا يعلم الغيب إلَّا الله؛ فهو كافرٌ كفرًا أكبر، وإن كان جاهلًا ولا يعتقد أنَّ القرآن فيه كذبٌ؛ فكفره أصغر، وقد لا يُصدِّق في الحال، بل يكون التَّصديق إذا حصل له شيءٌ.
- · «عَرَّافًا»: هو اسمٌ عامٌّ للكاهن والمُنجِّم والرَّمَّال ونحوهم ممَّن يستدلُّ على معرفة الغيب بمُقدِّماتٍ يستعملها، فيشمل كلَّ من تعاطى وادَّعى هذه الأمور.
الدَّليل الخامس:
وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ
عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ». رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
الدَّليل السَّادس:
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ دُونَ قَوْلِهِ: «وَمَنْ أَتَى ...» إلى آخره.
قال الْبَغَوِيُّ: (الْعَرَّافُ: الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى الْـمَسْرُوقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ)، وَقِيلَ: هُوَ الْكَاهِنُ، وَالْكَاهِنُ هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ الْـمُغَيَّبَاتِ فِي الْـمُسْتَقْبَلِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُخْبِرُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: (الْعَرَّافُ: اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالْـمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَعْرِفَةِ الأُمُورِ بِهٰذه الطُّرُقِ).
- · «مَنْ تَطَيَّرَ»: يشمل من تطيَّر لنفسه، أو تطيَّر لغيره.
- · «أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ»: أي أمر من يتطيَّر له، أو رضي بأن يُتطيَّر له.
- · «سُحِرَ لَهُ»: لأنَّ البعض يقول لمن يشكو زوجه: أنا أصنع لك السِّحر وأنت لا تصنع شيئًا، فيظنُّ أنَّه لا شيء عليه.
الدَّليل السَّابع:
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - فِي قَوْمٍ يَكْتُبُونَ أَبَا جَادٍ، وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ -: (مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ خَلَاقٍ).
تعلُّم أبا جادٍ ينقسم إلى قسمين:
- مباحٌ: أن نتعلَّمها لحساب الجُمَّل وما أشبه ذلك، ومازال العلماء يؤرِّخون بها.
- مُحرَّمٌ: أن يجعلها مربوطةً بسير النُّجوم وحركتها وطلوعها وغروبها.
حكم سؤال العرَّاف ونحوه:
| السَّؤال المُجرَّد: كبيرة؛ لقوله ﷺ: «لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا». | السُّؤال والتَّصديق: كفرٌ أكبر؛ لأنَّه تكذيبٌ للقرآن. | السُّؤال لاختباره جائزٌ؛ ليعرف صدقه من كذبه، لا لأجل أن يأخذ بقوله، ويكون أهلًا لذلك. | السُّؤال لإظهار عجزه وكذبه: مطلوبٌ أو واجبٌ بشرط أن يكون أهلًا لذلك. |
من علامات السَّاحر:
1- مخالفة شروط جواز الرُّقية الشَّرعيَّة. 2- العقد مع النَّفث.
3- كتابة الحروف المقطَّعة والكلام غير المفهوم. 4- الصَّرف والعطف.
5- النَّظر في النُّجوم (علم التَّأثير). 6- قراءة الكفِّ والفنجان.
7- أن يسأل عن اسم الأمِّ مثلًا. 8- أن يدَّعي معرفة الغيب.
9- أن يأمر المريض بمخالفة الشَّرع كترك الصَّلاة، أو ترك التَّسمية عند الذَّبح.
10ـ أنَّه يُعلِّق المريض به لا بالله. 11ـ أنَّه من أولياء الشَّيطان.
المسائل:
الْأُولَى: أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ تَصْدِيقُ الْكَاهِنِ مَعَ الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ (وهذا من أعظم الكفر).
الثَّانِيَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ.
الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ مَنْ تُكُهِّنَ لَهُ (أي: إنَّه كالكاهن في براءته ﷺ منه).
الرَّابِعَةُ: ذِكْرُ مَنْ تُطُيِّرَ لَهُ.
الْـخَامِسَةُ: ذِكْرُ مَنْ سُحِرَ لَهُ (أنَّ من طلب أن يُفعل له ذلك، فهو مثلهم في العقوبة).
السَّادِسَةُ: ذِكْرُ مَنْ تَعَلَّمَ أَبَا جَادٍ (فيه تفصيلٌ).
السَّابِعَةُ: ذِكْرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ.